
أجراه – وليد النور:
** الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار الدكتور عبد المحمود أبو، تخرج في جامعة أم درمان الإسلامية وحاصل على درجة الماجستير والدكتوراه. له العديد من المشاركات الخارجية في الندوات الفقهية والوسطية في الإسلام.. تطرق إلى قضية تعديل المناهج التي أثارها مدير المناهج والبحوث. وقال إنها من القضايا التي يجب أن تناقش في مؤتمر دستوري وليس من حق أي جهة تعديلها. (اليوم التالي) استنطقته حول الواقع العام وتحديات جائحة كورونا وما يجب أن تقوم به السلطات الرسمية في حوار كانت تلك حصيلته
{ما هو شكل العلاقة بينكم كهيئة شؤون أنصار ووزير الشؤون الدينية والأوقاف؟
هو أنصاري وكان أمام مسجدنا في ربك ولكن ترشيحه لم يتم من الأنصار وإنما جاء من قوى الحرية والتغيير.. وهو عندما استلم الوزارة اتصل بكل الجماعات الإسلامية واتصل بنا من ضمنها وشكل إداراته بصورة فيها توازن وحاول أن يوفق بين الآراء المختلفة.
{ألا تشكل له الهيئة حاضنة سياسية؟
هو يستفيد من تجربته باعتباره من كوادر الأنصار وتربية الأنصار تقوم على الوسيطة والمحبة لكل الناس ولكنه حتما سيستفيد من كافة الآراء التي وجدها من خلال لقاءاته مع كل الجماعات وهي أيضا تمثل في المؤسسات التي تتبع لوزارته.
{سبق لك وأن قلت إن قوة مناهج التعليم كقوة الدستور وتعديلها يتطلب الإجماع وليس برأي شخص أو جهة ما؟
لعل المتابعين يرون أن هنالك تصريحات كثيرة متضاربة حول موضوع تعديل المناهج , وبعضهم ربط تعديل المنهج بفكر الشخص المسؤول من المناهج , وآخرون غالوا وتطرفوا وذكروا أن المسؤول يريد أن يفرض رؤيته على مناهج التعليم.
{ ما هو الصحيح إذن.
الصحيح هنالك قضايا كبيرة مثل التعليم والسياسة الخارجية وأمن الوطن ومشاكل الزراعة وكل القضايا الكبيرة التي تعاني منها البلاد تحتاج إلى بحث واستشارة من كل أصحاب المصلحة ومنهج التعليم هو الذي يؤسس لتربية تواكب هذا العصر وتوفق ما بين عقائد الناس وثقافاتهم ومصالحهم.
{لماذا دعوتك في هذا التوقيت؟
نحن في مرحلة خرجنا من نظام شمولي كان يفرض رؤيته بالقوة ورأينا نتائجها السلبية والآن نحن في مرحلة جديدة ينبغي أن نؤسس إلى ما يحقق مصالح الوطن الكلية. وهذا ليس مرهونا برأي فرد أو حزب فلذلك دعونا إلى مؤتمر قومي يجمع كل أهل الاختصاص في المناهج التعليمة والثقافة.
{لماذا؟
يجب أن يمثلوا كافة المدارس الفكرية في المجتمع حتى يصلوا إلى أفضل منهج يمكن أن يتقبله أهل السودان ثم يتحول إلى إدارة المناهج لصياغته وملائمته مع عقلية التلاميذ والوطن.
{ ولكن مدير المناهج أيضا تحدث عن الاستعانة بخبراء من الداخل والخارج لعقد مؤتمر العام وليس تغييرا فرديا؟
هذا ما نرمي إليه وحتى الخبراء يجب ألا يتم اختيارهم انتقائيا ويجب أن يشمل كافة أهل السودان وتطلب مشاركتهم سواء كانت بالحضور أو عبر الأوراق المكتوبة. وأن تكون قومية لأن المنهج لا يخص حزبا ولا طائفة أو جماعة لأنه لكل أهل السودان.
{ هنالك تحفظات عن سور القرآن؟
مثلا أنا اعتقد اعتقادا جازما أن القران لكريم هو مفتاح كل خير للإنسان وكلنا درسنا القرآن في مرحلة الصغر وبالتأكيد كل من درس القرآن في هذه المرحلة ومن وفقه الله لحفظه يدرك الفائدة الكبيرة من القرآن لقوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) .
والمتبصر يرى أن أصول العلوم كلها في القران وهذا يفتح ذهن الطفل لتتوسع مداركه.
{ ولكن بعض محتويات المنهج أكبر من استيعاب التلاميذ؟
صحيح.. لا نريد أن تكون المناهج مليئة بسور القرآن الكريم والأشعار التي لا علاقة لها بمستوى الاستيعاب للتلاميذ ولكن لابد من استصحاب آهل الخبرة من العلماء في العلوم التربوية والنفسية والمتعلقة بدراسة الإنسان وخصائصه.
{مدير المناهج تطرق إلى وجود سور وآيات أكبر من سن التلاميذ يجب تبديلها؟
هذا صحيح نحن نلاحظ أن السور الموضوعة في المناهج قد لا تتلاءم مع بعض الأعمار وهذه ليست مشكلة ويجب أن يجلس آهل الخبرة ويختاروا من الآيات ما يتلاءم مع عقل التلميذ في هذه المرحلة. يجب أيضا اختيار آيات تتلاءم مع عقل التلميذ لأنه لا يمكن أن نفرض على الطفل سورا وآيات فيها أحكام شرعية ربما هو لا يفهم معناه فنحن مع الجوهر ولكن طريقة الإخراج والإعداد ينبغي أن تراعي ثقافة المجتمع والذهنية العامة وتقدم بصورة لا تستفز الناس أو تدخل في إطار الصراع الأيدلوجي.
{ البعض يطالب بتدريس اللغة الإنجليزية من السنة الأولى؟
إخراج اللغة الانجليزية في المناهج السابقة أضر كثيرا بالتلاميذ ومن الضروري أن يتعلمها التلاميذ في سن مبكرة فمثلا الآن لدي (طفلة تدرس في مدرسة بالمنهج الإنجليزي وهي لا تزال في السنين الأولى ولكن لغتها ربما تكون أفضل من إخوانها الأكبر منها سنا ودراسة لأن اللغة الإنجليزية أصبحت مرتبطة باللغة العالمية.
{هل بدأ الصراع الفكري في تنشئة الأجيال في هذه المرحلة من تاريخ البلاد؟
صراع الأفكار موجود، ومن حق الناس أن يبشروا بما يؤمنون به من أفكار وتقديم المبررات التي تقنع الرأي العام بأن رؤيتهم صحيحة. ولكن هذا يتم في الإطار العام وليس بفرضها على الناس بالقوة. ونحن في زمن الحرية والديمقراطية فكل إنسان يطرح ما له من آراء ولكن الدولة ليست ملكا لطائفة أحزب أو طفل وإنما هي للجميع وبالتالي ما تقره يجب أن يكون مراعيا لكافة الثقافات والعقائد الأفكار للجميع.
{مدير المناهج قال إن هجوم الأنصار وإمامهم عليه ليس لأنه يحمل الفكر الجمهوري بل لأنه ضد المهدية؟
المهدية كدولة قامت بتجربة والتجربة هذه عرضة للنقد من الذين يخالفونها, ومن حق الناس أن ينتقدوا هذه الدولة ويقولوا رأيهم, والناس أحرار في ما يؤمنون نحن لا نفرض المهدية على الناس بل لدينا مراجعات داخل كيان الأنصار وتحقيق في ما نسب للمهدية فما وجدناه يتماشى ويتلاءم مع مبادئنا وعصرنا نأخذ به وما وجدناه خاصا بعصر نتركه لوقته.
{أليس هذا مستغربا؟
هذا ليس مستغربا لأن الإمام المهدي نفسه قال (لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال) وبالتالي تجربة المهدية فيها مراجعات من داخل المهدية نفسها.
{ هل تضايقكم مثل هذه الانتقادات؟
نحن لا نتضايق من نقد الآخرين ولا من آرائهم السلبية عنا فهم أحرار من حقهم أن ينتقدونا ومن حقنا ان ننتقدهم.
{ولذلك تنتقدون مدير المناهج؟
ولكن القضية الآن ليست قضية طائفة أو فكر بل قضية وطن. نحن نريد أن يكون المنهج المتبع يشمل
الجميع نريد حتى ولو كان مدير المناهج تابعا لنا وأراد أن يفرض رؤيتنا بالقوة فسنعترض على ذلك, إنما نريد الطريقة التي تعالج بها وان تحسم باستصحاب آراء الجميع عبر المؤتمر القومي وعقول التلاميذ.
{بعد عام من سقوط نظام الإنقاذ ارتبط تحقيق السلام بمطالبة الحركة الشعبية – جناح الحلو لو بعلمانية الدولة؟
هذه محلها ليس منابر التفاوض وإنما محلها المؤتمر القومي الدستوري وكل يقدم رؤيته ولا نربط تحقيق السلام بالتزام الدولة بما نؤمن نحن به، وهذا يعتبر من التعسف. من حق الإنسان أن يعتنق ما يشاء وهذه محلها ليس اتفاقية السلام لأن هذه المنابر من حقها أن تنصف المظلومين وحركة الحلو لم تحمل السلاح لأنها كانت تطالب بالعلمانية.
{ ولماذا حاربوا؟
حاربوا لشعورهم بأن هنالك مظالم واقعة على مناطقهم متعلقة بالتنمية فهذه القضايا ينبغي أن تحسم ونوقف الحرب ونحقق السلام وبعد ذلك كل يأتي برأيه للمؤتمر القومي الدستوري ويناقش وحتى نتائج المؤتمر يجب أن تعرض في استفتاء على الشعب وإذا الشعب أقر ذلك فليكن.
{ولكنهم ربطوا ذلك بتحقيق السلام؛ فالحل الأخر هو تقرير المصير.
في تقديري هذا كلام و رأي غير موفق, ونصيحتنا لكل أصحاب الآراء التي فيها أبعاد أيدلوجية أن لا يربطوا تحقيق السلام بالتزام الدولة بأيدلوجيتهم لأنهم سيتفتحون بابا لحرب أخرى فكل من لم تحقق أيدلوجيته يرفضها.
{ يقولون إن هذه رغبة من يمثلونهم ؟
لا أتصور أن المواطن في جنوب كرد فان أو دارفور تهمه الأيدلوجية التي تتبناها الدولة بقدر ما تهمه الخدمات الأساسية.
{ هنالك انتقادات وجهت لخلاوى القرآن وهي لا تخلو من المشاكل؟
خلاوى القرآن هي تراث سوداني والتعليم بدأ بها ويرجع إليها الفضل لها في صهر التباين الاجتماعي ونشر الإسلام وكثير من الجوانب التي شكلت الشعب, صحيح بعض الخلاوى بها ممارسات سلبية ينبغي أن تصحح ولكن فكرة الخلوة ينبغي أن لا تلغى لأنها موروث أصيل وكثير من طلاب العلم الذين لا يجدون فرصا في التعليم في المدارس يلجؤون إليها وبعض الناس لديهم الرغبة في تعليم أبنائهم في الخلاوى.
{ولكن بعضها به تجاوزات كبيرة؟
بعض الأخطاء يجب أن لا تجعلنا نفكر في إلغائها وعلينا إزالة السلبيات وعلينا أن نضع نموذجا للخلوة النموذجية والتي تشمل منهجا للطالب بأن يكسب منه ولا يتكسب بقراءته للقرآن, وأن يخضع الأمر لدراسة علمية من أهل الاختصاص ونقدم رؤية فيها تطوير لأن هذا تراثنا وتحل مشكلة كبيرة للفاقد التربوي والتعليم، وأكرر وجود الأخطاء ليس مبررا لإلغائها وتقديم رؤية للعصر الذي نعيش فيه.
{حدثت جرائم الاغتصاب وبعض الشيوخ يتكسبون من الخلاوى؟
يجب أن يوضع نموذج لإدارة الخلوة من المناهج والتربية. نموذج يقتدى به وتشكل إدارة من وزارة الشؤون الدينية والوزارات ذات الصلة تنشئ إدارة تكون هي التي تضع مواصفات الخلوة ونمنع الأساليب السالبة بالقانون والرقابة والمتابعة.
{التشكيك في وباء كورنا جعل أحد الأئمة يسيء للأطباء من على منبر المسجد؟
بكل أسف شاهدت هذا المقطع وهو خالف منهج القرآن الذي يقول و”اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” فالواعظ والإمام لا خبرة له بعلم الأمراض والأوبئة بل لأهل الاختصاص من الأطباء وعلماء الإمراض, وفعلا أحسنت الوزارة بإيقاف الخطيب وأظنه قدم للمحاكمة والآن يقضي عقوبته بالسجن. أرجو أن تكون هذه آخر الظواهر السالبة في المنابر ولكن علماء الشريعة ككل يفهمون هذا الجانب.
{ هنالك سلبيات لبعض الدعاة والوعاظ كيف تتم معالجتها؟
نعم توجد سلبيات في المساجد والوعاظ ومعالجتها يجب أن تتم بالقانون للذي يخرج تكون له عقوبة ويجب أن تتولى الوزارة أمر التدريب مثل الأزهر الشريف إذ يتم تدريب الإمام ويخضع لإجازة في المؤسسات المعنية حتى يكون إماما وخطيبا ولكن نحن في السودان كل من(هب ودب) صار خطيبا ومفتيا.
{بعض الدول الإسلامية منعت صلاة الجمعة والجماعة بسبب جائحة كورونا ولازال السودان تقام فيه صلوات الجماعة؟
طبعا بعض الدول اتخذت إجراءات احترازية وقامت بهذا الإجراء ربما الدولة في طريقة أدارتها لان قوة القوانين فيها وثقافة شعوبها الالتزام بالقرارات سريعا ولكن أنت تعلم أن طبيعة السودانيين أن التزامهم بالقرارات ليس أمرا سهلا.
{رغم الفتوى التي صدرت من مجمع الفقه؟
الفتوى التي أصدرها المجمع بينت أن صلاة الجماعة مندوبة وصلاة الجمعة واجبة ولكن الواجبات نفسها تعتريها أحكام.
إذا ثبت أن التجمعات في المساجد يتضرر منها الناس فواجب الدولة أن تتخذ القرار بمنعها اضطرارا لأن المنع ليس رغبة في عدم تعمير المساجد وإنما هنالك ضرر متوقع وثبت في كثير من الدول والإجراء من حق الدولة.
وربما الحالات في السودان لم تعط الانطباع للرأي العام والسودانيين بانتشار الوباء والسودانيون عندهم افتراضات ظنية في الغالب وهي خاطئة.
{وإذا استفحل الأمر؟
إذا ثبت فعلى الدولة اتخاذ القرار بالمنع والقضية هي ثقافة المجتمع وأنت الآن تشاهد التجمعات في الطرقات رغم الطوارئ الصحية, تزاحم بطريقة مخيفة وحتى ساعات الحظر تجد الناس متجولين داخل الأحياء.
{إذن ما الحل؟
يحتاج إلى مجهود إعلامي كبير ولكن المعضلة تكمن في عقيلة الشعب السوداني الذي لا يستجيب لمثل هذه القرارات.
{هنالك استهتار من المواطنين؟
هذا الوباء مخيف وخطير ويدخل بلا استئذان ويجب ان نطلق عليه المعولم لأنه حتى الآن غلب الدول العظمى التي تفوقنا قوة في كل شيء ولم تستطع أن تجد تكييف الوباء كيف يدخل وكيفية أن يتعاملوا معه فالقاعدة الفقهية تقول لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال والمشقة تجلب التيسير كل ما يحقق الضرر لهذا الإنسان علينا الابتعاد عنه إذا كنت تخشى أحدا يظلمك في المسجد فلا تذهب وحتى الجمعة إذا كنت تخشى من صاحب الدّيَن فلا تذهب للصلاة.
{أين أنتم من معاناة المواطنين؟
نقول لحكومة الفترة الانتقالية عليها أن تكثف الاهتمام بأمر معاش المواطنين, بقدر اهتمامها بإزالة التمكين حتى تخفف الأعباء التي أثقلت كاهل المواطن وعليها الاستفادة من خبرات المجتمع وربنا يحمي بلادنا من جائحة كورونا.
المصدر : الوم التالي