تحقيق: بهاء الدين قمر الدين
ألقت شرطة قسم سوق ليبيا بمحلية امبدة القبض على (200) مسافر سوداني إلى القاهرة بمنطقة (أم حروت) غرب سوق ليبيا الأيام الماضية وبحوزتهم فحوصات كورونا مزورة ومضروبة تؤكد خلوهم من المرض وهم لم يجروا الفحص أصلا ولم يتكبدوا مشاق مقابلة الجهات الصحية ولكن رغم ذلك تحصلوا على الفحص الخطير ب(الدلفري) ووصلهم إلى منازلهم وهم نائمون في أسرتهم وجالسون أو في غرفهم معززين مكرمين!!
(اليوم التالي) توجهت إلى قسم شرطة سوق لبيبا بمحلية امبدة والتقت الركاب الذين ألقي القبض عليهم وحاورتهم حول كيفية حصولهم على الفحوصات المزورة ولماذا لجأوا إلى ذلك!؟
والتقت مدير شرطة قسم سوق ليبيا العقيد فرح عثمان عمر والمسؤولين بالقمسيون الطبي وزارة الصحة؛ لكشف ملابسات الجريمة الكبرى وبيع الموت للمسافرين إلى الخارج هنا في قلب الخرطوم نظير مبلغ مادي وحفنة ملاليم لا تساوي الصحة والعافية وإن كانت توازي كنوز قارون وكل أموال الدنيا في زمن جائحة كورونا القاتلة التي أودت بحياة الملايين في العالم ولا تزال تحصد الأرواح كل يوم؛ بيد أننا في بلادنا التي تعاني من التدهور المريع في كل المرافق الصحية وانهيار البنية الصحية وليست لنا إمكانيات تضاهي دول العالم المتطورة التي وظفت كل إمكانياتها الضخمة لحماية مواطنيها من الجائحة الخطيرة ورغم ذلك لم تسلم منها وأسقطت الجائحة المهلكة ملايين الأرواح وأوقفت نبض الحياة فيها وأوقعت خسائر مادية واقتصادية كبيرة ولاتزال تهدد كل العالم حتى اللحظة؛ بيد أننا في بلادنا نستسهل الخطر ونبيع الموت لأهلنا وناسنا الفقراء والمساكين بثمن بخس دراهم معدودة!!
قسم شرطة أم مرحاض!؟
عندما وصلت (اليوم التالي ) إلى قسم شرطة سوق ليبيا بمحلية أمبدة عند منتصف النهار القائظ؛وجدت المكان ضيقا جدا وصغير المساحة وأشبه بالقبر وعلبة الساردين، وكانت الكهرباء مقطوعة كالمعتاد؛ فتحول القسم الصغير إلى فرن وجهنم حمراء ونار متقدة جراء انقطاع التيار الكهربائي، وكان المكان متسخا ومغبرا وقذرا للحد البعيد تفوح منه الروائح المنتنة ورائحة (البول) تزكم الأنوف وترتع فيه جيوش الذباب والحشرات والهوام وتشيع في المكان والزمان المرض والداء والموت، وأنت داخل القسم يخيل إليك أنك في قلب دورة مياه ومرحاض ومكب نفايات و(كوشة) كبيرة وليس قسم شرطة؛ كان لزاما أن يكون نظيفا صحيا يليق بكرامة الإنسان؛ لكن لا تندهش عزيزي القارئ إنه زمن الموت والقذارة وامتهان كرامة (البني آدم)!!
نساء وأطفال في الحراسة!
ولفت نظرنا عند دخولنا القسم الضيق المتسخ وجود أعداد كبيرة من النساء والأطفال في باحة القسم وبعضعهم كان داخل الحراسات يشرئبون برؤوسهم لرؤية القادمين من الخارج، وعندما استفسرنا عن هذه الأمواج البشرية علمنا من أفراد وضباط وجنود القسم أن هؤلاء الأطفال والنساء وبعض الشباب مسافرون سودانيون تم توقيفهم وإلقاء القبض عليهم من قبل شرطة قسم سوق ليبيا عند منطقة (أم حروت) بأمبدة وبحوزتهم فحوصات كورونا مزورة ومضروبة ويبلغ عددهم (200) راكب ومسافر تم اقتيادهم جميعا إلى القسم الضيق وحشرهم في الحراسات حشرا مع أطفالهم الصغار. ولما ضاقت بهم الحراسات وضع بعضهم وبعضهن في الممرات الضيقة خارج الحراسات لحين البت في امرهم، وكان صراخ الأطفال الصغار يعلو طوال الوقت بسب الجو الحار والخانق داخل القسم!!
(15) مليونا للفحص المزور!!
والتقت (اليوم التالي) بأحد المسافرين الذين القي القبض عليهم من قبل مباحث شرطة سوق ليبيا وهو (م. ع. ل) شاب في العقد الثالث من العمر؛وأوضح لنا أنه يعمل في تجارة الأجهزة الإلكترونية والملابس بين مصر والسودان وهو يقطن الحارة الرابعة بامبدة، وكشف (لليوم التالي) أنه قام بشراء فحص كورونا المزور من أحد أفراد القوات النظامية بأمبدة بمبلغ (15) مليون جنيه سوداني وقام النظامي بإحضاره له في منزله (بموتر) الشرطة بعد أن قام بإرسال اسمه رباعيا إلى رقم واتساب النظامي دون أن يتكبد مشقة الذهاب إلى القمسيون الطبي أو مقابلة الجهات الصحية؛ مؤكدا أنه تم كل ذلك فقط عبر التلفون!!
ليست أول مرة!!
والتقت (اليوم التالي) أيضا بإحدى المسافرات اللائي تم إلقاء القبض عليهن وهي (م. أ. ك) سيدة في العقد الرابع من العمر كانت في طريقها للعلاج بالقاهرة برفقة ابنها الصغير ذي سبعة الأعوام؛ وأوضحت للصحيفة أنها ليست المرة الأولى التي تسافر فيها إلى القاهرة بفحص كورونا مزور فقد سافرت من قبل ثلاث مرات بغرض السياحة والترفيه خاصة في شهور الصيف الحارة في السودان؛ حيث تسافر إلى مصايف شرم الشيخ والاسكندرية، وأوضحت أنها ظلت تسافر منذ بداية ظهور داء ومرض الكورونا إلى جمهورية مصر العربية بفحوصات مزورة ومضروبة تؤكد خلوها من المرض القاتل وهي لم تجر الفحوصات إطلاقا؛ مشيرة لأن هنالك موظفا يعمل بالقمسيون الطبي بوزارة الصحة يحضر إليها الفحوصات في منزلها بامبدة مقابل مبلغ (15) مليون جنيه؛ مؤكدة انه لم يلق القبض عليها من قبل طوال زياراتها السابقة للقاهرة وهذه اوعل مرة تقع في قبضة الشرطة وأبدت اندهاشها واستغرابها لذلك وقالت: (الجد شنو؟ ماكل مرة بنسافر بفحوصات كورونا مزورة وما حصل قبضونا أو سألونا)!؟ طبقا لإفاداتها. بيد أنها لم تستبعد أن تكون هنالك خلافات بين العاملين في القمسيون الطبي وأفراد القوات النظامية الذين يبيعون لهم فحوصات كورونا المضروبة بسبب نسبة وقسمة المبالغ الكببيرة التي يأخذونها منهم جراء الطمع وفهم الانفراد بالغنيمة كاملة والاستحواذ على المبالغ الكبيرة فقد اختلف اللصوص وظهر المسروق وقفا لحديثها!!
الإجراءات عقيمة!
ولكن لماذا يلجأ المسافرون الى شراء فحوصات كورونا المزورة والمضروبة بمبالغ طائلة من الشبكات الاجرامية بدلا من إجراء الفحص عند القمسيون الطبي والجهات الصحية بوزارة الصحة مباشرة!؟
يرد على استفسار الصحيفة المسافر (م. ر. ك) بقوله إن إجراءات فحص الكورونا عند القمسيون الطبي ووزارة الصحة عقيمة وتأخذ زمنا ووقتا طويلا قرابة الشهر؛ مما يتسبب في تعطيل مصالحهم سيما وهم مرتبطون بزمن ووقت محدد للزيارة إذا تأخر يحرمون منها وتفرض عليهم غرامات من قبل الحكومة المصرية لذلك يلجأون إلى شراء الفحوصات المزورة لجهة أنها الأسهل والأسرع وعملية جدا حسب تعبيره!!
مافي كورونا!!
وعندما قلنا ل(م. ر. ك) ولكن ألا تخاف من الإصابة بكورونا ولا تخشى خطر الموت وأنت تجازف بشراء فحص مزور يؤكد عدم إصابتك على الرغم من أنك يمكن أن تكون مصابا به كيف يكون حالك عندها ألا تخاف المرض!؟
بيد أنه رد علينا بضحكة ساخرة واضاف بجدية: (مافي اي كورونا في السودان كورونا أكذوبة ووهمة كبيرة) حسب حديثه ثم أردف: (المرض ما بكتل بكتل اليوم والأجل) طبقا لتعبيره!!
سأسافر بفحص مزور!!
المسافر (ب. د. س) كان يبدو عليه الهدوء والثقة رغم إلقاء القبض عليه وايداعه الحراسة ولم يكن مضطربا أو خائفا مثل الآخرين الذين القي القبض عليهم معه مما أثار دهشة الصحيفة وعندما استفسرناه عن سر هذه الثقة والهدوء رغم الورطة والموقف والوضع الصعب الذي ادخل نفسه فيه؛قال لنا: ظللت أسافر الى القاهرة منذ بداية اكتشاف جائحة كورونا إلى أن تم إلقاء القبض علي وظللت أسافر بفحوصات مزورة ومضروبة ولم يحدث قط أن قبض علي؛ وأضاف: السلطات الأمنية وكذلك الجهات الصحية في بلادنا تعلم بأمر الفحوصات المزورة للكورونا بل هي التي تبيعها لنا ولكن ألقي القبض علينا اليوم بسبب تضارب المصالح من قبل هؤلاء المجرمين حسب افاداته. وزاد: أنا بعد خروجي من الحراسة سوف أسافر الى القاهرة بفحص كورونا مزور ومضروب من قبل وزارة الصحة السودانية وسوف أتصل بكم في صحيفة اليوم التالي وأخبركم كيف سافرت وكيف عدت وسوف أرسل لكم الفحص المزور حسب حديثه!!
المصريون يعلمون ولكن!!
المسافرة (ن. م. ق) أكدت أيضا أنها ليست المرة الأولى التي تسافر فيها الى القاهرة بفحص كورونا مزور ؛ فقد سافرت اكثر من عشر مرات من قبل بفحص مضروب، ولكنها أكدت للصحيفة أن السلطات المصرية بمعبر اشكيت الحدودي تعلم بأمر الفحوصات السودانية المزورة للكورونا وابلغت السلطات السودانية بأمرها من قبل ، ولكن كانت السلطات السودانية تتجاهل التحذيرات المصرية في كل مرة وتغض الطرف عنها حسب وجهة نظرها!!
جريمة خطيرة!!
مدير شرطة قسم سوق ليبيا العقيد فرح عثمان عمر؛ قال (لليوم التالي) إن إلقاء القبض على مسافرين سودانيين في طريقهم إلى القاهرة وبحوزتهم فحوصات كورونا مزورة يعد صدا لجريمة خطيرة تعرض حياة الناس للموت؛ فكورونا مرض خطير وقاتل أودى بحياة الملايين في العالم ولايزال يفتك بأرواح البشر كل يوم وأضاف: لكن أن يتم تزوير فحص كورونا فذلك أمر خطير ومقلق للحد البعيد. وأثنى فرح على أفراد وضباط شرطة قسم سوق ليبيا على هذا الإنجاز الكبير وحذر المواطنين السودانيين من اللجوء إلى تلك الجريمة، مطالبا المسافرين بإجراء فحص كورونا عند وزارة الصحة والقمسيون الطبي لحماية أنفسهم وسلامتهم أولا قبل الآخرين!!
أمشي لوزير الصحة!!
إلى وزير الداخلية!!
وكما وصفنا صورة ووضع وحال قسم شرطة سوق ليبيا في مستهل هذا التحقيق من اتساخ وقذارة وضيق مساحة وحال مزر فإننا نؤكد بأن الجنود الأشاوس الذين يعملون به بدءا من رئيس القسم إلى اصغر شرطي، يعملون في ظروف قاهرة وبيئة متردية تفتقر لأبسط الأساسيات ومقومات العمل ولا يجدون قطرة ماء تروي الظمأ ووجبة إفطار وطعام يقوي السواعد العاملة الفتية بل لايجدون الورق الذي يكتبون عليه شكاوى المواطنين ويعملون وسط أجواء قاتلة وخانقة ؛ ولكن رغم ذلك يؤدون واجبهم على أكمل وجه وفي تفان وإخلاص كبيرين ويحمون الأرواح والأعراض ويسهرون من أجل ان ينعم المواطن بالأمان والسلام واستحقوا بذلك الإشادة والتقدير وحقا إن الشرطة هي العين الساهرة على راحة المواطن، ومن هنا نحن نطالب مدير عام الشرطة ووزير الداخلية بإنقاذ قسم شرطة ليبيا العتيق الذي يخدم كل مواطني أمبدة وضرورة الاهتمام به؛ وتوسعته وتنظيفه وهو كان في يوم من الايام آية وعنوانا للنظافة والجمال تكسوه الخضرة والأزهار والرياحين قبل أن يجور عليه الزمان ، وكذلك نطالب بتكريم كل العاملين والأبطال الذين يعملون به في نكران ذات وجسارة ، وسلام تعظيم ومن القلب ألف تحية لرجال الشرطة السودانية!!
أمشوا لوزير الصحة!!
بعد ذلك حملنا أوراقنا وتوجهنا إلى إدارة ورئاسة القمسيون الطبي بالخرطوم للاستفسار عن أمر الفحوصات المزورة لمرض الكورونا لجهة أنها الجهة الأولى المسؤولة عن استخراج شهادات فحص المرض؛ ولكن عندما دخلنا إلى القمسيون الطبي وقابلنا موظف الاستقبال واخبرناه بهدفنا من زيارة القمسيون، استشاط غضبا ومنعنا من الدخول ومقابلة المسؤولين ورد علينا بغلظة وعنف (دي ما مسؤوليتنا نحن دي مسؤولية وزارة الصحة امشوا هنالك وقابلوا الوزير لكن هنا ممنوع الدخول للصحفين)؛ ولم يستجب لإلحاحنا فخرجنا من القمسيون الطبي والأسئلة تتقافز في رؤوسنا: لماذا رفض موظف الاستقبال طلب مقابلتنا للمسئولين بالقمسيون وردنا بعنف وغلظة!؟ وترى هل ذلك من حقه ؟! أين نحن وأي دولة هذه التي لا تحترم صحافتها ووو….وغيرها من الاسئلة التي لم نجد لها إجابة وهي كما قال الشاعر الكبير يحيى فضل الله العوض، أسئلة ليست للإجابة!؟
ناقوس الخطر!!
وبعد.. عزيزي القارئ كانت تلك الإفادات صورة قلمية صادقة لجريمة تزوير شهادات وفحوصات كورونا هذا المرض القاتل والداء الفتاك الذي أودى بحياة الملايين في العالم ولا يزال يعمل سيفه في الرقاب ويسقط الضحايا في العالم كل يوم، وقف العالم عاجزا امامه من اكتشاف علاج ناجع له يحد من خطورته بيد أننا في السودان الذي لا يملك أية بنية صحية؛وتنعدم فيه الإمكانيات؛ نستهون بالمرض القاتل بل نستخرج شهادات كورونا مزورة يسافر بها مواطنونا إلى الخارج تحت مرأى ومسمع الجهات الصحية والامنية ونحن نتساءل: من يرتكب تلك الجريمة القاتلة وما الهدف من وراء ذلك؟!
ونطلق ناقوس الخطر ونقرع جرس الإنذار والتحذير عاليا وبشدة ونطالب بكشف هؤلاء المجرمين لحماية أرواح الشعب وتقديمهم للعدالة قبل ان يهلك ابناء شعبي!
الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020
New
